بعض الرحلات تبدأ من المطار، لكن رحلتنا إلى جورجيا بدأت قبل ذلك بكثير؛ بدأت على شاشة لابتوب، بين تواريخ ومدن ومسافات وأوقات انتقال وأنشطة وخيارات وحجوزات وأيام موزعة بين تبليسي وكازبيجي وباتومي. ومن هناك أكملنا الرحلة برًا باتجاه طربزون في تركيا، ثم عدنا مرة أخرى إلى باتومي، ومنها أخذنا القطار إلى تبليسي، قبل أن نختتم الرحلة بالطائرة إلى الرياض. وبطريقة ما، أصبحت الرحلة تجربة شبه متكاملة لوسائل السفر المختلفة: طائرة، سيارة، عبور حدود برية، قطار، والكثير من المشي بين كل ذلك.

وبطريقة ربما تكشف أن مدير المشاريع يبقى مدير مشاريع حتى في إجازته، تحولت خطة السفر قبل الانطلاق إلى ما يشبه Gantt Chart. كان الهدف في البداية عمليًا جدًا: لدينا عدد محدد من الأيام، وجورجيا تقدم خيارات أكثر مما يمكن وضعه في رحلة واحدة، ونريد أن نستفيد من وقتنا دون أن نقضي نصف الإجازة كل صباح في البحث عن المكان التالي أو حساب المسافات أو محاولة معرفة ما إذا كان بإمكاننا تنفيذ نشاط معين في ذلك اليوم.

لكن بعد انتهاء الرحلة، اكتشفت أن هذه الخطة علمتني شيئًا أكبر بكثير من تنظيم إجازة، وهو أن التخطيط الجيد لا يأخذ منك حرية الاستمتاع؛ إنما يصنعها. ومن هنا بدأت قصة امتدت من شوارع تبليسي إلى جبال القوقاز، ثم إلى البحر الأسود في باتومي، وبعدها عبر الحدود إلى طربزون في تركيا، قبل أن نعود إلى جورجيا ونغلق الدائرة التي رسمناها قبل السفر.

خطة رحلة جورجيا وطربزون على شكل Gantt Chart، بجانب دفتر يحمل عنوان من الـ Gantt Chart إلى جبال القوقاز

لماذا جورجيا أصلًا؟

إذا كنت تقرأ هذه المدونة لأن جورجيا موجودة على قائمة الدول التي تفكر بزيارتها، فهناك شيء اكتشفته خلال الرحلة: من الصعب اختصار جورجيا بصورة واحدة، وهذه ربما واحدة من أكبر نقاط قوتها كوجهة سفر.

خلال رحلة واحدة تستطيع أن تبدأ وسط مدينة مليئة بالشوارع القديمة والمقاهي والحياة، وبعد أيام تجد نفسك محاطًا بجبال القوقاز، ثم تنتقل إلى مدينة ساحلية على البحر الأسود. تستطيع أن تعيش أجواء المدينة والطبيعة والجبال والبحر والـ Road Trips في رحلة واحدة، وهذا تحديدًا ما جعلها بالنسبة لنا ممتعة.

تبليسي ← كازبيجي ← باتومي ← طربزون ← باتومي ← تبليسي

لكن هذا المسار لم يكن مجرد انتقال جغرافي بين مجموعة نقاط على الخريطة. في كل مرة كنا نغادر فيها مكانًا، كان إيقاع الرحلة نفسه يتغير؛ الملابس التي تحتاجها، شكل اليوم، الأنشطة، المناظر التي تراها من النافذة، وحتى الطريقة التي تقضي بها وقتك كانت تتبدل من محطة إلى أخرى.

تبليسي أعطتنا المدينة والثقافة والمشي بين القديم والحديث، بينما أخذتنا كازبيجي بعيدًا عن صخب المدينة إلى الطرق والوديان والجبال. ثم نقلتنا باتومي إلى إيقاع ساحلي مختلف تمامًا أمام البحر الأسود، قبل أن تضيف طربزون تجربة جديدة للرحلة، ليس فقط بطبيعتها الخضراء، وإنما بفكرة عبور الحدود برًا والدخول إلى بلد وثقافة مختلفين دون الحاجة إلى مطار.

ولهذا لم أشعر أن الرحلة كانت عبارة عن "أربع وجهات". شعرت أنها كانت أربع تجارب مختلفة داخل قصة واحدة، وكل تجربة منها أعادت ضبط إيقاعنا وتوقعاتنا. وربما كان السؤال الأهم: كيف استطعنا جمع كل ذلك دون أن نشعر بأننا في سباق مستمر لإنجاز أكبر عدد ممكن من الأماكن؟

الإجابة تعيدني إلى الشيء الذي بدأنا منه: الخطة.

قبل السفر: عندما أصبح الـ Gantt Chart جزءًا من الإجازة

عندما يكون أمامك عدد كبير من الأنشطة الممكنة، المشكلة ليست نقص الخيارات، وإنما كثرتها. وهذا ينطبق على جورجيا بشكل واضح؛ تستطيع أن تقضي أيامًا في تبليسي وحدها، وتستطيع أن تخصص رحلة كاملة للمناطق الجبلية، وهناك باتومي والساحل، وبين كل هذه المناطق عشرات التوقفات والأنشطة والمطاعم والمناظر التي يمكن إضافتها بسهولة إلى البرنامج.

لذلك، بدل أن نبني الرحلة على قائمة طويلة من الأماكن التي نريد زيارتها، بنيناها على مسار. قسمنا الأيام حسب المدن، وحددنا أيام الانتقال، ووضعنا الأنشطة الأساسية التي نريد تجربتها، وفي الوقت نفسه تركنا مجموعة من الأنشطة كخيارات إضافية يمكن تنفيذها إذا سمح الوقت والطاقة والطقس.

وهنا حدث شيء مهم لم أنتبه إلى قيمته إلا أثناء الرحلة: عندما وصلنا إلى جورجيا، لم نعد بحاجة إلى إدارة الرحلة طوال الوقت، بل أصبح بإمكاننا عيشها.

بالنسبة لي، أسوأ سيناريو لم يكن أن نفوّت مكانًا سياحيًا أو نشاطًا معينًا، إنما أن نقضي الإجازة ونحن ممسكون بالهواتف، نبحث ونقارن ونحسب المسافات ونناقش كل صباح أين سنذهب بعد ذلك. الخطة نقلت جزءًا كبيرًا من هذا العبء الذهني إلى ما قبل السفر، وتركت لنا أثناء الرحلة مساحة أكبر للحضور في اللحظة.

ومن هنا جاء أول درس قيادي بالنسبة لي:

Clarity before execution creates freedom during execution.

عندما يعرف الفريق الوجهة والأولويات والموارد والوقت المتاح، لا يحتاج القائد إلى إدارة كل دقيقة من يومه، لأن الوضوح الذي تم بناؤه في البداية يمنح الجميع مساحة أكبر للحركة واتخاذ القرارات أثناء التنفيذ. وهذا بالضبط ما حدث معنا في الرحلة، وهو نفس المبدأ الذي أعتمد عليه عند تصميم برامج قيادية تصمد أمام تعقيدات الواقع، لا فقط على الورق.

تبليسي: المدينة التي لا تحتاج أن تفهمها بسرعة

كانت البداية من تبليسي، وأعتقد أنها بداية ممتازة لأي شخص يريد اكتشاف جورجيا للمرة الأولى. هناك شيء جميل في التناقض داخل المدينة؛ تمشي بين مبانٍ قديمة وشرفات خشبية وأزقة ضيقة، ثم تجد نفسك بعد فترة قصيرة في جزء أكثر حداثة، فتشاهد التاريخ في زاوية، بينما تظهر المقاهي والمطاعم والحياة الشبابية في زاوية أخرى.

وفي أجزاء من تبليسي القديمة تحديدًا، شعرت أن أفضل طريقة لاكتشاف المدينة ليست بمحاولة وضع علامة أمام كل معلم في خرائط جوجل، وإنما بالمشي. تدخل شارعًا لم يكن موجودًا في الخطة، تتوقف عندما يعجبك مكان، تنظر إلى تفاصيل المباني، تراقب الناس، وتسمع حولك لغة لا تفهم منها شيئًا، لكنك تبدأ تدريجيًا بالتقاط إيقاع المكان.

وهنا بدأت بالنسبة لي تجربة أخرى مرتبطة بالثقافة الجورجية نفسها. عندما تدخل بلدًا جديدًا، تحمل معك دون أن تنتبه مجموعة ضخمة من الافتراضات حول الطريقة التي يجب أن يرحب بها الناس، وكيف يجب أن تكون الخدمة، وكيف يتحدث الغرباء مع بعضهم، وما الذي يعنيه أن يكون الشخص ودودًا، وما الذي نعتبره احترامًا أو عدم احترام.

في الأيام الأولى قد تفسر سلوك الآخرين باستخدام ثقافتك أنت، لكن كلما قضيت وقتًا أطول في المكان تبدأ بإدراك فكرة بسيطة:

Different doesn't necessarily mean wrong. Sometimes, it simply means different.

وهذه واحدة من الأشياء التي جعلتني أربط السفر بالقيادة. في فرق العمل متعددة الثقافات نرتكب الخطأ نفسه عندما نفسر صمت شخص على أنه عدم مشاركة، أو نقرأ المباشرة في الحديث على أنها عدوانية، أو نفترض أن اختلاف طريقة التواصل يعني وجود مشكلة في الشخص، بينما قد يكون ما نراه ببساطة نتيجة لاختلاف السياق الثقافي.

لهذا أعتقد أن واحدة من أهم المهارات التي يمكن أن يمتلكها قائد اليوم هي Cultural Intelligence؛ ليس أن يعرف كل شيء عن كل ثقافة، فهذا غير واقعي أصلًا، وإنما أن يمتلك الفضول الكافي لفهم الآخرين، والتواضع الكافي ليعرف أن ثقافته وطريقته في رؤية العالم ليستا المقياس الوحيد لفهم البشر.

منظر جوي لتبليسي القديمة مع جسر السلام ونهر كورا وكاتدرائية الثالوث المقدس في الخلفية

الطريق إلى كازبيجي: هنا تبدأ جورجيا التي تراها في الصور

إذا كانت تبليسي عرّفتنا على جورجيا من خلال المدينة، فالطريق إلى كازبيجي غيّر المشهد تمامًا. بالنسبة لي، هذه لم تكن مجرد رحلة انتقال من نقطة إلى أخرى؛ الطريق نفسه كان جزءًا أساسيًا من التجربة.

كلما تقدمنا باتجاه جبال القوقاز، بدأت المدينة تختفي تدريجيًا وبدأت الطبيعة تسيطر على المشهد. الطرق أصبحت محاطة بالجبال والمساحات الخضراء والوديان والمرتفعات، ومع كل توقف تقريبًا كان هناك مشهد جديد يستحق أن تنزل من السيارة من أجله.

هناك لحظة جميلة تحدث في مثل هذه الطرق عندما تنظر من النافذة وتكتشف أنك لم تعد مستعجلًا للوصول أصلًا. في تجربتنا كان السائق ممتازًا، وشعرنا بالراحة والأمان طوال الطريق، وهذا كان مهمًا لأن طريقًا كهذا تريد أن تعيش تفاصيله وتنظر حولك، لا أن تقضي الساعات منشغلًا فقط بالوصول إلى الوجهة.

أما المناظر فكانت، بكل بساطة، خرافية. وهذه ليست مبالغة سياحية؛ هناك أماكن تستطيع الكاميرا أن تعطيك فكرة عنها، وهناك أماكن تحتاج أن تقف أمامها بنفسك حتى تفهم حجمها، وجبال القوقاز بالنسبة لي من النوع الثاني. عندما تبدأ الجبال بالظهور حولك، يتغير إحساسك بحجم المكان بالكامل، وتصبح السيارة والطريق والمباني مجرد تفاصيل صغيرة داخل مشهد هائل.

إذا كنت تخطط لزيارة جورجيا، فنصيحتي أن لا تتعامل مع كازبيجي كمكان تذهب إليه فقط من أجل صورة، ولا تتعامل مع الطريق إليها باعتباره ساعات يجب التخلص منها. أعطِ الطريق وقته، توقف عندما يستحق المشهد ذلك، خذ الصور، اشرب شيئًا في الطريق، وانظر حولك دون أن يكون ذهنك مشغولًا طوال الوقت بالوصول إلى المحطة التالية.

وهنا ظهر درس آخر من الرحلة. في العمل نركز كثيرًا على الـ Milestones: متى نصل؟ متى ننتهي؟ وما الـ Deliverable التالي؟ لكن أحيانًا أهم الأشياء التي تحدث للفريق تقع بين هذه المحطات؛ التعلم، والمحادثات، والأخطاء، وتغيير الاتجاه، والعلاقات التي تُبنى أثناء التنفيذ. الوجهة مهمة، لكن الطريق الذي نأخذه إليها يصنع جزءًا كبيرًا من النتيجة.

وادٍ جبلي أخضر مع بحيرة فيروزية على الطريق إلى كازبيجي في جبال القوقاز
كلبان يستريحان على قمة جبلية قرب كازبيجي وسلسلة جبال القوقاز في الخلفية

كازبيجي: المكان الذي يجعلك تبطئ قليلًا

الوصول إلى منطقة كازبيجي مختلف تمامًا عن تبليسي. هنا الطبيعة هي المشهد الرئيسي؛ الهواء والجبال والارتفاعات والمساحات المفتوحة تغير إيقاع اليوم تلقائيًا، ومن أشهر المشاهد التي ترتبط بالمنطقة Gergeti Trinity Church وهي تقف أمام خلفية جبال القوقاز.

كازبيجي بالنسبة لي من الأماكن التي لا تحتاج أن تثبت أنك فعلت فيها الكثير. يكفي أحيانًا أن تكون هناك، تنظر إلى الجبال، تمشي، تتوقف، وتأخذ وقتك دون التفكير كل عشر دقائق في النشاط التالي. وهذا شيء مهم لمن يخطط لرحلة إلى جورجيا: لا تجعل كل يوم ممتلئًا من الصباح إلى الليل فقط لأن لديك القدرة على إضافة نشاط آخر إلى البرنامج.

في خطتنا كانت لدينا إمكانية لتنفيذ عدد كبير جدًا من الأنشطة، لكن وجود هيكل واضح ساعدنا أيضًا على معرفة متى نتوقف ومتى يكون الاستمتاع بالمكان نفسه أهم من إضافة تجربة جديدة إلى القائمة.

وهذا أعادني إلى فكرة أستخدمها كثيرًا في إدارة المشاريع:

Capacity is not the same as priority.

كون الفريق قادرًا على تنفيذ عشرة أشياء لا يعني بالضرورة أنه يجب أن ينفذها كلها؛ ففي كثير من الأحيان، أفضل قرار إداري أو قيادي لا يكون في الشيء الذي قررت أن تفعله، وإنما في الشيء الذي قررت بوعي ألا تفعله حتى تحافظ على جودة وأولوية الأشياء الأهم.

مراقبة الخيول وهي ترعى أمام كنيسة كازبيجي الثالوث في جيرغيتي وجبال القوقاز في الخلفية

من الجبال إلى البحر: باتومي

ثم تغيرت جورجيا مرة أخرى. انتقلنا من جبال القوقاز إلى ساحل البحر الأسود، ووصلنا إلى باتومي لنجد أنفسنا أمام إيقاع مختلف تمامًا: البحر، والممشى الطويل، والمباني الحديثة، والمساحات المفتوحة، والحياة التي تصبح أكثر وضوحًا مع المساء.

بعد الطرق والجبال، كان وجود البحر تغييرًا جميلًا في الرحلة، وباتومي تحديدًا جعلتني أفهم لماذا يمكن لجورجيا أن تناسب أنواعًا مختلفة جدًا من المسافرين. إذا كنت تحب المدن والثقافة والمشي بين الشوارع القديمة والحديثة، لديك تبليسي. وإذا كنت تبحث عن الجبال والطبيعة والطرق التي تكون الرحلة فيها جزءًا من الوجهة، لديك كازبيجي. وإذا كنت تريد البحر والمشي والأجواء الساحلية والأمسيات الهادئة، لديك باتومي.

والجميل أنك لا تحتاج للاختيار بينها؛ يمكنك أن تعيشها جميعًا داخل الرحلة نفسها. وهذا التنوع هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلني أعتقد أن جورجيا تستحق الزيارة، خصوصًا لمن يريد رحلة لا يكون فيها كل يوم نسخة من اليوم السابق.

قوارب تعبر خليج البحر الأسود في باتومي مع أفق المدينة الساحلي في الخلفية

وإذا كنت تخطط لجورجيا... لا تجعلها Checklist

هذه ربما أهم نصيحة خرجت بها من الرحلة: خطط جيدًا، لكن لا تخطط لكل لحظة. حدد المدن التي تريد زيارتها، واحسب أيام الانتقال والمسافات مسبقًا، وضع الأنشطة التي لا تريد تفويتها في البرنامج، لكن اترك أيضًا مساحات فارغة تسمح لك بتغيير رأيك أو الاستمرار في مكان أعجبك أكثر مما توقعت.

بعض أجمل تفاصيل السفر لن تظهر على الـ Gantt Chart مهما كان دقيقًا. قد تكون منظرًا على الطريق يجعلك تطلب من السائق التوقف، أو شارعًا في تبليسي لم يكن موجودًا على القائمة، أو جلسة أمام جبال كازبيجي تطول أكثر مما توقعت، أو مساءً بسيطًا تمشي فيه بمحاذاة البحر في باتومي دون برنامج واضح.

وهذه هي المعادلة التي نجحت معنا:

خطط للهيكل، واترك التجربة تتنفس داخله.

وجود خطة لا يعني أن تصبح أسيرًا لها؛ بالعكس، قيمتها الحقيقية تظهر عندما تمنحك الثقة الكافية لتعرف متى يمكنك الخروج عنها.

باتومي لم تكن النهاية: من جورجيا إلى طربزون برًا

من أجمل الأشياء في مسار الرحلة أننا لم ننتقل من جورجيا إلى تركيا بالطائرة، وإنما أكملنا من باتومي باتجاه طربزون برًا. وهذا أضاف بُعدًا مختلفًا تمامًا للرحلة؛ أن تبدأ يومك في جورجيا، تحمل حقائبك وتتجه نحو الحدود، ثم تكمل الطريق لتجد نفسك بعد ساعات في شمال تركيا، يعطيك إحساسًا بأن الرحلة مستمرة طبيعيًا بدل أن تكون مجموعة حجوزات منفصلة.

كان انتقالنا من باتومي باتجاه طربزون مخططًا ضمن الـ Itinerary، وهذا التفصيل البسيط جعل يوم الانتقال نفسه جزءًا من الرحلة وليس يومًا ضائعًا بينها. وعلى امتداد الطريق، يبقى البحر الأسود حاضرًا، وتستمر الخضرة والطبيعة، لكن شيئًا فشيئًا تبدأ اللغة والثقافة والتفاصيل اليومية بالتغير.

وطربزون أضافت لنا وجهًا جديدًا للطبيعة أيضًا. بعد جبال القوقاز في كازبيجي والبحر في باتومي، جاءت جبال وخضرة الشمال التركي لتقدم تجربة مختلفة مرة أخرى. لم نشعر أننا أوقفنا رحلة وبدأنا أخرى؛ شعرنا أننا نكمل قصة واحدة على الجانب الآخر من الحدود.

وهنا رجعت مرة أخرى إلى فكرة Adaptability. كل بيئة جديدة تطلب منك أن تعيد قراءة السياق، سواء كنت مسافرًا أو قائدًا. الأسلوب الذي يناسب مكانًا أو فريقًا أو مرحلة معينة ليس بالضرورة الأسلوب المناسب للمرحلة التالية، والقدرة على تغيير الطريقة دون فقدان الاتجاه هي جزء أساسي من النضج القيادي.

منظر من التلال يطل على طربزون وساحل البحر الأسود في تركيا

ثم عدنا إلى جورجيا... وهذه المرة بالقطار

طربزون لم تكن نهاية المسار أيضًا. عدنا مرة أخرى إلى باتومي، ومنها بدأت تجربة مختلفة تمامًا: القطار إلى تبليسي.

وهنا أدركت أننا خلال رحلة واحدة جرّبنا تقريبًا كل طرق التنقل التي يمكن أن تدخل في رحلة كهذه. وصلنا بالطائرة، تنقلنا بالسيارة بين المدن والجبال، عبرنا الحدود البرية بين جورجيا وتركيا، ثم عدنا وأخذنا القطار من باتومي إلى تبليسي، قبل أن نركب الطائرة مجددًا باتجاه الرياض.

لكل وسيلة سفر إيقاع مختلف. السيارة أعطتنا حرية التوقف ومشاهدة الطريق، والعبور البري جعلنا نشعر بالانتقال الحقيقي بين بلدين، بينما القطار أعطانا فرصة أن نجلس ونراقب جورجيا تمر أمامنا من النافذة دون أن يكون علينا التفكير بالطريق.

والجميل في العودة إلى تبليسي أنها لم تعد المدينة نفسها التي وصلنا إليها في بداية الرحلة، أو ربما نحن الذين لم نعد ننظر إليها بالطريقة نفسها. في المرة الأولى كنا نحاول فهم المكان، أما عند العودة فكان هناك قدر من الألفة؛ بعض التفاصيل أصبحت مألوفة، وطريقة الحركة أسهل، وأصبح لدينا إحساس بأننا عدنا إلى نقطة نعرفها قبل نهاية الرحلة.

جورجيا جعلت مفهوم Cultural Intelligence أكثر واقعية بالنسبة لي

يمكننا أن نقرأ عشرات المقالات عن قيادة التنوع، لكن هناك شيء مختلف عندما تصبح أنت الشخص الذي لا يعرف اللغة أو النظام، والذي يحتاج إلى السؤال ويحاول فهم الإشارات ويكتشف أن أشياء يعتبرها بديهية ليست بديهية للجميع.

السفر يعيدك، ولو مؤقتًا، إلى دور الـ Beginner، وأعتقد أن هذه تجربة صحية لأي قائد. لأننا كلما اكتسبنا خبرة أكبر في العمل، يصبح من السهل أن ننسى شعور الشخص الذي لا يعرف: الموظف الجديد، الشخص القادم من دولة مختلفة، أو عضو الفريق الذي يدخل المؤسسة لأول مرة.

هذا الشخص لا يتعلم مهامه فقط؛ هو يحاول أن يفهم ثقافة كاملة غير مكتوبة. كيف نتحدث هنا؟ كيف نتخذ القرارات؟ هل الاعتراض مقبول؟ من صاحب القرار الحقيقي؟ وما الذي تعنيه كلمة "عاجل" داخل هذه المؤسسة؟

القائد الذي يتذكر شعور أن يكون غريبًا في مكان جديد غالبًا سيكون أكثر وعيًا بكيفية استقبال الآخرين ودمجهم. وهذا بالضبط ما أعمل عليه عند التفكير في بناء رأس المال البشري داخل مؤسسات الخليج التي باتت بيئات عمل متعددة الثقافات. وربما لهذا السبب أرى أن السفر لا يعلمنا فقط عن الدول التي نزورها؛ إنه يجعلنا نرى افتراضاتنا نحن بشكل أوضح.

ماذا أخذت معي من جورجيا؟

عدت من الرحلة بقناعة أكبر بخمس أفكار، لكنها بالنسبة لي لم تعد أفكارًا نظرية.

أولًا، التخطيط يصنع الحرية عندما يكون مرنًا. فالـ Gantt Chart لم يكن هدف الرحلة، وإنما أداة ساعدتنا على استثمار الوقت وتقليل القرارات اليومية وترك مساحة أكبر للاستمتاع.

ثانيًا، الطريق جزء من النتيجة. فالطريق إلى كازبيجي، والعبور إلى طربزون، والقطار من باتومي إلى تبليسي لم تكن مجرد وسائل للوصول، بل أصبحت أجزاء أتذكرها من الرحلة نفسها. وهذا يشبه المشاريع كثيرًا؛ فالطريقة التي نصل بها إلى النتيجة قد تكون مهمة بقدر النتيجة ذاتها.

ثالثًا، القدرة لا تعني الأولوية. كان بإمكاننا إضافة المزيد من الأنشطة إلى كل يوم، لكن نجاح الرحلة لم يكن في عدد الأماكن التي استطعنا وضع علامة أمامها، وإنما في أننا أعطينا الأماكن المهمة وقتًا كافيًا لنعيشها.

رابعًا، فهم السياق يجب أن يسبق الحكم على الناس. اختلاف الثقافة وطريقة التواصل والتوقعات لا يعني أن هناك طرفًا على صواب وآخر على خطأ، وإنما يعني أن علينا أحيانًا أن نخرج من إطارنا الخاص حتى نفهم ما يحدث أمامنا.

وأخيرًا، اترك مساحة لغير المتوقع. الخطة القوية ليست الخطة التي تتنبأ بكل شيء، لأن ذلك مستحيل في السفر كما هو مستحيل في المشاريع، وإنما الخطة التي تبقى مفيدة حتى عندما يحدث شيء لم تتنبأ به.

وهذه بالضبط المبادئ التي أبني عليها عملي في التطوير التنظيمي والاستشارات القيادية مع الفرق: وضوح من البداية، ومساحة للتكيف، وخطط تخدم الناس بدل أن تديرهم.

هل أنصح بجورجيا؟

بعد تبليسي وكازبيجي وباتومي، إجابتي ببساطة: نعم، وخصوصًا إذا كنت تبحث عن رحلة تجمع أكثر من تجربة في وقت واحد.

اذهب إلى تبليسي ولا تحاول أن تكتشفها كلها بالسيارة؛ امشِ في شوارعها وأعطِ نفسك فرصة أن تدخل أماكن لم تكن في البرنامج. وعندما تتجه إلى كازبيجي، لا تتعامل مع الطريق باعتباره مجرد انتقال، بل خصص له وقتًا حقيقيًا ولا تستعجل الوصول. قف أمام جبال القوقاز لبعض الوقت دون التفكير في النشاط التالي، ثم غيّر المشهد بالكامل واتجه إلى باتومي وامنح نفسك مساءً للمشي على البحر الأسود.

وإذا كان الوقت والمسار يسمحان، يمكن أن تضيف تجربة مختلفة تمامًا وتكمل برًا باتجاه طربزون، كما فعلنا، ثم تعود إلى باتومي وتأخذ القطار إلى تبليسي. بهذه الطريقة تتحول الرحلة من زيارة مجموعة مدن إلى Road & Rail Journey حقيقية بين القوقاز والبحر الأسود.

وقبل كل ذلك، افتح Excel. نعم، أنا جاد. ضع المدن والأيام، احسب المسافات، حدد الأشياء التي لا تريد تفويتها، واعرف مسبقًا أين ستكون أيام الانتقال الثقيلة وأين يمكنك ترك مساحة للراحة. وإذا كنت متحمسًا مثلي، يمكنك حتى أن تعمل Gantt Chart للرحلة.

لكن عندما تصل إلى هناك، لا تجعل الـ Gantt Chart يسافر بدلًا منك.

وظيفة الخطة أن توصلك إلى اللحظة التي خططت من أجلها، لا أن تمنعك من عيشها.

بدأت رحلتنا بخلايا وصفوف وتواريخ على شاشة، ثم تحولت تلك الخلايا إلى شوارع تبليسي، وطريق يمتد بين جبال القوقاز، ومناظر في كازبيجي يصعب على الصور أن تعطيها حقها، ومساءات على البحر في باتومي، وحدود عبرناها باتجاه طربزون، وقطار أعادنا مرة أخرى إلى تبليسي، ثم طائرة حملتنا إلى الرياض ومعنا قصة أكبر بكثير من الجدول الذي بدأنا منه.

وفي النهاية، ربما كانت أجمل مفارقة في الرحلة هي نفسها التي أراها في القيادة: نحن لا نخطط لكي نسيطر على كل ما سيحدث؛ نحن نخطط لكي نكون أكثر استعدادًا للتعامل مع ما سيحدث، وأكثر حضورًا عندما تحدث الأشياء التي لم نخطط لها أصلًا.

The plan gave us direction. The journey gave us perspective.

مقالات ذات صلة: راجع أيضًا ماذا يكشف كأس العالم FIFA 2026 عن القيادة، أو تعرّف على خدماتنا في التطوير التنظيمي والاستشارات القيادية.

الأسئلة الشائعة

ما هو مسار هذه الرحلة إلى جورجيا وطربزون؟
انتقلت الرحلة من تبليسي إلى كازبيجي في جبال القوقاز، ثم إلى باتومي على البحر الأسود، وعبرت برًا إلى طربزون في تركيا، قبل العودة إلى باتومي وتبليسي بالقطار ثم الطيران إلى الرياض.
ما الدروس القيادية التي يمكن استخلاصها من التخطيط لرحلة كهذه؟
أهم درس هو أن التخطيط الواضح يصنع الحرية بدل أن يقيدها. خطة سفر مفصلة بُنيت على شكل Gantt Chart قللت من عبء القرارات اليومية، وتركت مساحة أكبر للذكاء الثقافي والمرونة، ولتصبح اللحظات غير المخطط لها هي الأهم.