عندما يتحدث الناس عن تحوّل الخليج، غالباً ما يدور النقاش حول المشاريع العملاقة، والتكنولوجيا، وصناديق الاستثمار، والرؤى الوطنية الطموحة.
وبينما كل هذه الأمور مهمة، أعتقد أن التحوّل الأهم الذي يحدث في المنطقة أقل وضوحاً للعيان.
إنه يحدث داخل المؤسسات.
على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت الحكومات والشركات والمنظمات غير الحكومية وبرامج التنمية في الخليج تعمل في بيئة مختلفة تماماً عمّا كانت عليه قبل عقد من الزمن. التوقعات تتغيّر بشكل أسرع. صناعات جديدة تظهر. طرق العمل التقليدية تُواجَه بالتحدي. أصبحت وتيرة التحوّل نفسها سمة مميزة للمنطقة.
في هذه البيئة، البنية التحتية وحدها لا تكفي. التكنولوجيا وحدها لا تكفي. حتى التمويل وحده لا يكفي.
تدرك المؤسسات بشكل متزايد أن قدرتها على تحقيق أهدافها الطموحة تعتمد على شيء أصعب بكثير في بنائه: القدرة البشرية.
هذا التحوّل يخلق نوعاً مختلفاً من الطلب في سوق العمل.
لم تعد المؤسسات تبحث فقط عن متخصصين تقنيين قادرين على أداء مهام محددة. إنها تبحث عن أشخاص قادرين على قيادة التغيير، والتعامل مع التعقيد، والعمل عبر الثقافات، وبناء الشراكات، والتعلّم المستمر.
التحدي هو أن هذه القدرات لا يمكن اكتسابها من خلال التوظيف وحده. لا يمكن للمؤسسات أن توظّف طريقها للخروج من كل تحدٍّ. تحتاج إلى تطوير المواهب من الداخل.
هنا انتقل التطوير التنظيمي والتعلّم والتطوير من كونهما وظيفتين داعمتين إلى أولويتين استراتيجيتين.
قبل بضع سنوات، كانت مؤسسات كثيرة تنظر إلى التدريب كنشاط منعزل. يحضر الموظفون ورش العمل، يحصلون على شهادات، ويعودون إلى العمل. اليوم، تطرح المؤسسات الرائدة أسئلة مختلفة.
كيف نبني قادة المستقبل؟ كيف نُعِد المديرين لقيادة فرقهم عبر عدم اليقين؟ كيف نخلق ثقافات تعلّم بدلاً من أحداث تعلّم؟ كيف نضمن أن يواكب النمو البشري نمو المؤسسة؟
هذه الأسئلة تقع في صميم كل جهد تحوّل ناجح.
ما أجده مثيراً للاهتمام بشكل خاص هو أن طموحات المنطقة رفعت التوقعات ليس فقط للمؤسسات، بل أيضاً للمهنيين العاملين داخلها.
يتوقع الموظفون بشكل متزايد فرص تطوير ذات معنى. يريد الجيل الأصغر التوجيه والإرشاد ومسارات نمو وتجارب تعلّم تساعدهم على تطوير مسيرتهم المهنية. إنهم يبحثون عن مؤسسات تستثمر في مستقبلهم، لا فقط في دورهم الحالي.
نتيجة لذلك، يتطوّر دور متخصصي الموارد البشرية والتطوير التنظيمي والتعلّم والتطوير بسرعة. لم يعد التوقع تنظيم جداول التدريب أو تنسيق ورش العمل. التوقع اليوم هو التأثير في الثقافة، وتشكيل مسارات القيادة، وتعزيز القدرة المؤسسية، ودعم التحوّل طويل الأمد.
هذه مسؤولية أكبر بكثير. لكنها أيضاً فرصة أكبر بكثير.
عندما ينظر مؤرخو المستقبل إلى هذه الحقبة من التحوّل في الخليج، سيتحدثون بالتأكيد عن البنية التحتية والتنويع الاقتصادي والتقدّم التكنولوجي.
لكنني أظن أنهم سيدركون أيضاً شيئاً مهماً بالقدر نفسه. المؤسسات التي نجحت لم تكن بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الميزانيات. كانت تلك التي استثمرت باستمرار في أفرادها.
لأن كل استراتيجية تحوّل تنتهي في النهاية إلى السؤال نفسه: هل نمتلك القدرة البشرية اللازمة لتحقيق طموحنا؟
مقالات ذات صلة: اطّلع أيضاً على ما الذي يعلّمنا إياه كأس العالم 2026 عن القيادة تحت الضغط، أو تصفّح أعمالاً مختارة في منطقة الخليج.