مقدمة: عندما تصبح الإجابات متاحة للجميع
قبل سنوات، كان إعداد تقرير احترافي، أو بناء خطة عمل، أو تحليل مجموعة من البيانات يحتاج إلى وقت وجهد ومعرفة متخصصة. اليوم، أصبح بإمكان الموظف إنجاز جزء كبير من هذه المهام بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي خلال وقت أقصر بكثير.
هذا التغيير يفتح فرصاً حقيقية للأفراد والمؤسسات. فالمهام التي كانت تستنزف ساعات من العمل قد تصبح أسرع، والأفكار التي كانت تحتاج إلى فريق متكامل يمكن اختبارها بإمكانات محدودة، والوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى.
لكن مع هذه الإمكانات، يظهر سؤال يستحق اهتماماً أكبر: عندما يصبح إنتاج الإجابات أسهل، ما الذي يميّز الشخص القادر على اتخاذ القرار الصحيح؟
في رأيي، هذا أحد الأسئلة الأساسية التي ينبغي أن تشغل القيادات والمؤسسات اليوم. فالقيمة المهنية للإنسان ستعتمد بدرجة متزايدة على قدرته على التفكير، والتحقق من المعلومات، وفهم السياق، وتقدير العواقب، وتحمل مسؤولية القرارات التي يتخذها بمساعدة التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي غيّر طريقة أداء العمل، فهل نطوّر طريقة تفكيرنا بالسرعة نفسها؟
من السهل ملاحظة التحول الذي أحدثته أدوات الذكاء الاصطناعي في طريقة إنجاز المهام. يستطيع الموظف إعداد مسودة تقرير، أو تلخيص وثيقة طويلة، أو اقتراح خطة مشروع، أو تطوير محتوى تدريبي خلال وقت قصير. لكن سرعة إنتاج المخرجات لا تعني بالضرورة ارتفاع جودتها، ولا تضمن أنها مناسبة للسياق الذي ستُستخدم فيه.
لنفترض أن مديراً طلب من أداة ذكاء اصطناعي إعداد خطة لتطوير أداء فريقه. قد يحصل على خطة منظمة تتضمن أهدافاً ومؤشرات أداء وبرامج تدريبية وجدولاً زمنياً. من الناحية الشكلية، قد تبدو الخطة متكاملة. لكن هل تعالج المشكلة الحقيقية التي يواجهها الفريق؟ وهل تستند إلى بيانات موثوقة؟ وهل تراعي قدرات الموظفين وطبيعة العمل والثقافة التنظيمية؟ وهل تتناسب مع الموارد المتاحة؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى فهم يتجاوز إنتاج النصوص. تحتاج إلى شخص يعرف المؤسسة، ويفهم المشكلة، ويستطيع تقييم المقترحات في ضوء الواقع.
وهنا يظهر الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهمة، واستخدامه لتحسين جودة العمل. في الحالة الأولى، قد يكون التركيز على السرعة. في الحالة الثانية، يصبح التركيز على قيمة النتيجة ومدى ملاءمتها للهدف.
السرعة تمنحنا ميزة، لكن الحكم الجيد هو ما يساعدنا على توجيه هذه الميزة نحو نتيجة مفيدة.
ماذا تقول الأبحاث عن المهارات المطلوبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
في سبتمبر 2026، نشر معهد IBM لقيمة الأعمال دراسة عالمية تناولت أولويات مسؤولي الموارد البشرية والموظفين في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي. شملت الدراسة 1,500 مسؤول موارد بشرية و8,800 موظف حول العالم.
أظهرت النتائج فجوة لافتة بين ما تراه المؤسسات مهماً وما يركز عليه الموظفون. فقد اعتبر 71% من مسؤولي الموارد البشرية المشاركين أن القدرة على الإشراف على مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقق منها وتجاوزها عند الحاجة من أهم المهارات المطلوبة، بينما صنّف 29% فقط من الموظفين الحكم المهني ضمن أولوياتهم. وأفاد 60% من الموظفين بأنهم يشعرون بالقلق من تراجع بعض مهاراتهم مع استخدام الذكاء الاصطناعي، وكان التفكير النقدي من أبرز هذه المخاوف.
هذه النتائج تطرح تحدياً يتجاوز تعلّم استخدام الأدوات. فإذا كانت المؤسسات تتوقع من موظفيها مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي واتخاذ قرارات سليمة بشأنها، فإن برامج تطوير القدرات تحتاج إلى الاهتمام بالتفكير النقدي والحكم المهني بقدر اهتمامها بالمهارات التقنية.
المصدر: IBM Institute for Business Value، سبتمبر 2026:
https://newsroom.ibm.com/2026-09-21-new-ibm-chro-study-ai-puts-critical-thinking-at-the-center-of-workforce-priorities
وتدعم نتائج تقرير Future of Jobs Report 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الاتجاه. فقد جاء التفكير التحليلي في المرتبة الأولى ضمن المهارات الأساسية التي حددها أصحاب العمل المشاركون، حيث اعتبره 69% منهم مهارة أساسية. كما برزت المرونة والقدرة على التكيف والقيادة والتأثير الاجتماعي ضمن المهارات المهمة في بيئات العمل.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير مستقبل الوظائف 2025:
https://www.weforum.org/publications/the-future-of-jobs-report-2025/in-full/3-skills-outlook/
لا تعني هذه النتائج أن المهارات التقنية أصبحت أقل أهمية. الصورة أقرب إلى التكامل بين الجانبين: نحتاج إلى أشخاص يفهمون التكنولوجيا، ويستطيعون التفكير بصورة تحليلية، ويتعاملون بمرونة مع التغيير، ويستخدمون المعرفة لاتخاذ قرارات مناسبة.
المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في طريقة استخدامه
يمكن أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تحسين جودة العمل، كما يمكن أن يضاعف الأخطاء عندما يتعامل المستخدم مع المخرجات باعتبارها حقائق جاهزة. هناك ثلاثة أنماط من الاستخدام تستحق التمييز بينها.
النمط الأول: تنفيذ المهمة كما هي. يطلب الموظف من الأداة إعداد تقرير أو خطة، ثم يعتمد على النتيجة مع مراجعة محدودة. قد يوفّر هذا الأسلوب الوقت، لكنه يترك مساحة للأخطاء والافتراضات غير الدقيقة.
النمط الثاني: مراجعة المخرجات وتحسينها. يراجع الموظف المعلومات، ويتحقق من المصادر، ويختبر الافتراضات، ويطلب تعديلات عندما يجد نقاطاً ضعيفة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية إنتاج العمل ومراجعته.
النمط الثالث: استخدام الأداة لتوسيع التفكير. يبدأ الموظف بتحديد المشكلة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لاستكشاف البدائل، ومقارنة السيناريوهات، واختبار الأفكار، وتحديد المخاطر التي قد تكون غائبة عن انتباهه. بعد ذلك، يبني قراره على الأدلة والسياق والأهداف الفعلية.
النمط الثالث يمنح الإنسان دوراً أكثر فاعلية في العملية. فالأداة تساعد على توسيع مساحة التفكير، بينما يظل المستخدم مسؤولاً عن تحديد السؤال المناسب، وتقييم الإجابات، واختيار المسار الذي يخدم الهدف.
لا يعني ذلك أن كل مهمة تحتاج إلى تحليل مطوّل. مستوى المراجعة المطلوب يعتمد على طبيعة المهمة وعواقب الخطأ. تلخيص نص داخلي يختلف عن إعداد توصية مالية أو اتخاذ قرار يتعلق بالموظفين أو المستفيدين. وكلما ارتفعت حساسية القرار وتأثيره، ازدادت أهمية التحقق والمراجعة البشرية.
لماذا تحتاج القيادة إلى إعادة النظر في مفهوم الكفاءة؟
في بيئات العمل التقليدية، كان من السهل ربط الكفاءة بالقدرة على إنجاز عدد كبير من المهام، والالتزام بالمواعيد، وإنتاج مخرجات جيدة. هذه العناصر ما زالت مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة جديدة في بيئة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ أجزاء متزايدة من العمل.
إذا استطاع موظفان إعداد تقرير خلال وقت قصير باستخدام الأداة نفسها، فقد لا يكون الفرق الحقيقي بينهما في سرعة الكتابة أو جودة التنسيق. قد يظهر الفرق في قدرة أحدهما على تحديد المشكلة الصحيحة، واكتشاف المعلومات المضللة، وربط النتائج بأهداف المؤسسة، وتقديم توصية قابلة للتنفيذ.
وهذا يغيّر دور المدير أيضاً. فالمطلوب من القيادة أن تتجاوز تشجيع الموظفين على استخدام الأدوات الجديدة، وأن تعمل على بناء بيئة تساعدهم على استخدامها بمسؤولية ووعي.
من وجهة نظري، لا يكفي أن تطلب المؤسسة من موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، ثم تقيس نجاحهم بعدد المهام التي أنجزوها أو الوقت الذي وفّروه. تحتاج أيضاً إلى أن تحدد معايير واضحة لجودة المخرجات، وأن تشرح متى تكون المراجعة البشرية ضرورية، وأن تمنح الموظفين فرصة لتعلّم كيفية اكتشاف الأخطاء والتعامل معها.
فالتحول التقني لا ينجح بمجرد توفير الأدوات. يحتاج إلى تطوير الممارسات والمهارات ونظام العمل الذي يحيط بها.
كيف نطوّر مهارات التفكير في عصر الذكاء الاصطناعي؟
من خلال اهتمامي بالتدريب وتطوير القيادات، أرى أن أحد التحديات المهمة هو الانتقال من تقديم المعرفة إلى تصميم فرص حقيقية لممارستها. ويمكن تطبيق هذا المبدأ على استخدام الذكاء الاصطناعي من خلال إطار عملي من أربع خطوات.
1. ابدأ بتحديد المشكلة قبل كتابة الطلب.
قبل فتح أداة الذكاء الاصطناعي، اسأل نفسك: ما المشكلة التي أحاول حلها؟ وما النتيجة التي أحتاج إليها؟ وما المعلومات التي يجب أن تتوفر حتى يكون الحل مناسباً؟ كلما كان فهم المشكلة أوضح، أصبحت قادراً على تقييم الإجابة بصورة أفضل.
2. تعامل مع الإجابة باعتبارها فرضية تحتاج إلى التقييم.
عندما تحصل على نتيجة، لا تكتفِ بمدى إقناعها لك. اسأل عن الأدلة التي تدعمها، والافتراضات التي تعتمد عليها، والمعلومات التي قد تكون غائبة عنها. تحقّق من المصادر الأساسية عندما يتطلب الأمر معلومات واقعية أو حديثة، وميّز بين الحقائق والتوصيات والتوقعات.
3. اختبر البدائل قبل اتخاذ القرار.
اطلب من الأداة عرض خيارات مختلفة، وتوضيح مزايا كل خيار ومخاطره. ثم قيّم هذه الخيارات في ضوء ظروفك الفعلية، والموارد المتاحة، والأشخاص المتأثرين بالقرار.
4. راجع النتيجة وتعلّم من عملية العمل نفسها.
بعد تنفيذ المهمة، خصّص وقتاً لمراجعة ما نجح وما يحتاج إلى تحسين. هل كانت المعلومات دقيقة؟ هل كانت التوصية مناسبة؟ هل احتجت إلى تعديلات جوهرية؟ وما الذي ستفعله بصورة مختلفة في المرة القادمة؟
هذه الخطوات الأربع لا تحتاج إلى برنامج تدريبي معقد حتى تبدأ. يمكن تطبيقها في إعداد تقرير، أو تصميم عرض، أو تحليل مشكلة، أو اتخاذ قرار إداري. المهم أن تتحول إلى ممارسة متكررة، وأن تصبح جزءاً من طريقة العمل اليومية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى برامج التدريب وتطوير القيادات؟
إذا كانت المهارات المطلوبة تتغير، فمن الطبيعي أن تتغير طريقة تطويرها أيضاً. قد يحتاج الموظفون إلى تعلّم أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنهم يحتاجون كذلك إلى فرص لممارسة التفكير النقدي، والتحليل، والتواصل، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات.
وهذا يطرح سؤالاً مهماً على المؤسسات التي تستثمر في التدريب: هل نقيس نجاح البرنامج بما تعلّمه المشاركون أثناء الجلسات، أم بقدرتهم على تطبيق ما تعلّموه في مواقف العمل الحقيقية؟
يمكن لبرنامج تطوير قيادي أن يتضمن جلسات عن الذكاء الاصطناعي، لكنه يصبح أكثر قيمة عندما يضع المشاركين أمام مواقف عملية تتطلب منهم تقييم مخرجات الأداة، واكتشاف نقاط ضعفها، ومناقشة البدائل، والدفاع عن قراراتهم بالأدلة.
كما أن مسؤولية التطوير لا تقع على الموظف وحده. تحتاج المؤسسات إلى توفير سياسات واضحة للاستخدام المسؤول، وإتاحة الوصول إلى الأدوات المناسبة، وتحديد معايير الجودة، وتوفير الوقت للتجربة والتعلّم، وتوضيح المسؤوليات عند استخدام المخرجات في القرارات المهمة.
أما القادة، فيحتاجون إلى إظهار هذه الممارسات بأنفسهم. عندما يراجع المدير مخرجات الذكاء الاصطناعي علناً، ويوضح سبب قبول توصية أو رفضها، فإنه يساعد فريقه على فهم أن الاستخدام الجيد للتكنولوجيا يتطلب تفكيراً ومسؤولية، وليس مجرد معرفة تقنية.
الخلاصة: قيمة الإنسان تظهر في جودة ما يقرره
من المتوقع أن يستمر الذكاء الاصطناعي في تغيير طريقة أداء كثير من المهام، وأن تتوسع قدرته على المساعدة في التحليل والكتابة والتخطيط والتنفيذ. لكن انتشار هذه الأدوات يضعنا أمام مسؤولية أكبر في تحديد كيفية استخدامها، وكيفية تقييم نتائجها، وكيفية تطوير المهارات التي تجعل استخدامها مفيداً وآمناً.
لا أرى أن التحدي الحقيقي أمام الموظفين والقادة هو مواكبة كل أداة جديدة تظهر في السوق. التحدي الأهم هو بناء قدرة مستمرة على التعلّم والتفكير والتحقق واتخاذ القرار في بيئة تتغير فيها الأدوات بسرعة.
قد يصبح إنتاج الإجابة أسهل، لكن تحديد السؤال الصحيح يحتاج إلى فهم. وقد يصبح تنفيذ المهمة أسرع، لكن اختيار المهمة ذات الأولوية يحتاج إلى حكم. وقد تصبح الخيارات أكثر، لكن المفاضلة بينها تظل مرتبطة بالسياق والأهداف والمسؤولية.
لهذا، أعتقد أن المؤسسات التي ستستفيد أكثر من الذكاء الاصطناعي هي المؤسسات التي تستثمر في التكنولوجيا وفي قدرات الأشخاص الذين يستخدمونها معاً.
ففي الوقت الذي تستطيع فيه التكنولوجيا مساعدتنا على إنتاج المزيد، ستظل قدرتنا على التفكير الجيد هي ما يحدد قيمة ما ننتجه.
والسؤال الذي أتركه للنقاش هو: عندما تستخدم الذكاء الاصطناعي في عملك، هل تركّز أكثر على الوصول إلى الإجابة بسرعة، أم على التأكد من أن الإجابة تستحق أن تبني عليها قرارك؟