خلال أحد التدريبات التي كنت أقدمها لمجموعة من الخريجات في تخصصات تكنولوجيا المعلومات، دار بيننا نقاش حول المهارات والتخصصات التي بدأت تبرز في سوق العمل مع انتشار الذكاء الاصطناعي. وبينما كنا نتحدث عن المستقبل والمهارات التي يحتاجها الخريجون اليوم، ذكرت إحدى المشاركات تخصصاً أصبحنا نسمع عنه كثيراً في الفترة الأخيرة: Prompt Engineering.

شدني المصطلح، لأن وجوده بحد ذاته يحكي جزءاً من قصة التغيير التي نعيشها اليوم. قبل فترة قصيرة، لم يكن Prompt Engineering حاضراً في نقاشات سوق العمل بالشكل الذي نراه الآن. ثم ظهرت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وظهرت معها احتياجات جديدة، وبدأت المؤسسات تبحث عن أشخاص يفهمون هذه الأدوات ويعرفون كيف يوظفونها، وبدأ الخريجون يفكرون في مهارات جديدة يمكن أن تمنحهم فرصة في سوق عمل يتغير بسرعة.

في الوقت نفسه، كنا نسمع تحذيرات مستمرة حول الوظائف التي يمكن أن يختفي جزء منها بسبب الذكاء الاصطناعي. هنا وجدت المفارقة مثيرة للاهتمام. التكنولوجيا نفسها التي نخشى أن تلغي بعض الوظائف بدأت أيضاً في خلق مهارات وأدوار واحتياجات جديدة لم تكن موجودة بالطريقة نفسها من قبل.

هذه الفكرة تذكرني بما حدث مع موجات تكنولوجية سابقة. ظهور الحاسوب غيّر طبيعة الكثير من الأعمال، وانتشار الإنترنت خلق صناعات ووظائف جديدة، ثم جاءت الهواتف الذكية وغيّرت سلوك المستهلك ونماذج الأعمال وظهرت معها أدوار لم تكن معروفة قبلها. الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه، لكن بسرعة أكبر بكثير.

لذلك، عندما نسأل: "هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟"، أعتقد أننا نبدأ من السؤال الخطأ. السؤال الأكثر فائدة هو: كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تعريف العمل الذي نقوم به اليوم؟

الوظيفة تتغير عندما تتغير المهام

عندما نتحدث عن تأثير AI على سوق العمل، غالباً ما نتعامل مع الوظيفة كأنها وحدة واحدة. إما أن تبقى أو تختفي. الواقع أكثر تعقيداً، لأن معظم الوظائف تتكون من مجموعة كبيرة من المهام المختلفة. بعضها متكرر، وبعضها يحتاج إلى تحليل، وبعضها يعتمد على الخبرة، وبعضها يحتاج إلى التواصل وبناء العلاقات، وبعضها يتطلب حكماً بشرياً ومسؤولية لا يمكن اختزالها بسهولة في أداة.

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه الوظيفة، تتغير مكوناتها. بعض المهام تصبح مؤتمتة، وبعضها يصبح أسرع، وبعضها يفقد جزءاً من قيمته، بينما تظهر مهام جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة. قد يبقى المسمى الوظيفي نفسه، لكن طريقة أداء العمل تتغير بشكل كبير.

وهنا يظهر سؤال مهم لكل موظف: إذا أصبح AI قادراً على القيام بجزء كبير من عملي، فأين تكمن القيمة التي أضيفها أنا؟ هذا السؤال يدفعنا إلى التفكير بطريقة مختلفة في مسيرتنا المهنية. بدلاً من التركيز فقط على المهام التي نجيد تنفيذها، نبدأ بالنظر إلى القدرات التي يصعب استبدالها، والمهارات التي يمكن أن تتكامل مع التكنولوجيا، والأدوار التي يمكن أن ننتقل إليها عندما تتغير طبيعة عملنا.

قصة Prompt Engineering تخبرنا بشيء أكبر

عندما ذكرت إحدى الخريجات Prompt Engineering خلال التدريب، لم أفكر كثيراً في المسمى الوظيفي نفسه. فكرت في السرعة التي يمكن أن تظهر بها احتياجات جديدة في سوق العمل. ظهرت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأصبح هناك احتياج لفهم كيفية التعامل معها، وصياغة التعليمات، وتحسين النتائج، واختبار المخرجات، وربط هذه الأدوات بعمليات العمل. ومع تطور التكنولوجيا، قد يصبح جزء كبير من هذه المهارات ضمن أدوار أخرى، وقد تتغير المسميات الوظيفية نفسها. وهذا طبيعي.

الدرس الأهم هنا أن سوق العمل يتفاعل مع التكنولوجيا بطريقة مستمرة. عندما تتغير الأدوات، تظهر احتياجات جديدة حولها. وعندما تنتشر هذه الأدوات، تتحول بعض المهارات الجديدة إلى جزء طبيعي من وظائف قائمة. ومع الوقت تظهر أدوار أخرى لمعالجة احتياجات جديدة. لهذا السبب، النظر إلى الوظائف التي يمكن أن تختفي فقط يعطينا نصف الصورة. النصف الآخر يتعلق بالوظائف والمهارات والفرص التي ستظهر نتيجة هذا التغيير.

التغيير الحقيقي قد يحدث داخل الوظيفة نفسها

قد لا يختفي دور الموظف، لكن جزءاً كبيراً من يومه قد يتغير. خذ مثالاً بسيطاً: موظف كان يقضي ساعات في البحث، وجمع المعلومات، وتنظيمها، وإعداد مسودة أولية لتقرير. يستطيع اليوم استخدام AI لتقليل الوقت الذي يحتاجه لهذه المهام بشكل كبير. النتيجة هنا لا تعني أن الموظف أصبح بلا قيمة. تعني أن الوقت الذي كان يستهلكه في هذه المهام أصبح متاحاً لأعمال أخرى.

يمكنه تحليل المعلومات بشكل أعمق، أو التحدث مع أصحاب العلاقة، أو اختبار سيناريوهات مختلفة، أو تطوير أفكار جديدة، أو التركيز على المشكلة التي يحاول التقرير حلها. القيمة تنتقل من التنفيذ إلى الحكم، ومن جمع المعلومات إلى تفسيرها، ومن إنتاج المخرجات إلى معرفة ما الذي يجب فعله بهذه المخرجات. وهذا التحول سيحتاج إلى إعادة تعريف الكثير من الوظائف.

الخبرة ستبقى مهمة، لكن معناها يتغير

هناك من يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً للخبرة البشرية. أرى الصورة بشكل مختلف. الخبرة ستصبح أكثر أهمية في بعض المجالات، لكن قيمتها ستظهر بطريقة مختلفة.

في السابق، كان الشخص الخبير يمتلك معرفة متراكمة تساعده على الوصول إلى الإجابة بسرعة. اليوم يستطيع AI الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات خلال ثوانٍ، وهذا يجعل امتلاك المعلومة وحده أقل تميزاً مما كان عليه. القيمة تنتقل إلى فهم السياق، ومعرفة السؤال المناسب، وتقييم جودة الإجابة، واكتشاف الأخطاء، وربط المعلومات بالواقع، واتخاذ القرار.

قد يعطيك AI عشر إجابات خلال ثوانٍ. خبرتك هي التي تساعدك على معرفة أي إجابة تناسب الحالة التي أمامك، وأيها تحتاج إلى مراجعة، وأيها يجب تجاهلها تماماً. لهذا ستصبح الخبرة مرتبطة أكثر بالحكم المهني، ولا يقتصر تميزها على حجم المعلومات التي نعرفها.

لا تستخدم AI لتختصر التفكير

أحد الأمور التي أراها مهمة جداً في هذه المرحلة هو الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع التفكير واستخدامه لتجنب التفكير. يمكنك أن تطلب من AI كتابة خطة استراتيجية، وإعداد عرض تقديمي، وتحليل بيانات، وكتابة تقرير خلال دقائق. لكن سرعة إنتاج المخرجات لا تعني أن المشكلة حُلّت.

قد تكون الخطة ممتازة من ناحية الشكل، لكنها تعالج المشكلة الخطأ. وقد يكون التقرير منظماً ومقنعاً، لكنه يعتمد على افتراضات تحتاج إلى مراجعة. وقد يكون العرض متكاملاً، لكنه لا يقدم الرسالة التي يحتاج الجمهور إلى سماعها.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجعل العمل يبدو أكثر احترافية. مسؤولية الإنسان أن يتأكد من أن التفكير الذي يقف خلف هذا العمل يستحق الثقة. وهنا تصبح القدرة على طرح الأسئلة، والتحقق، والمراجعة، والتحدي، وفهم السياق، أكثر أهمية.

الـ Prompt الجيد يحتاج إلى عقل جيد خلفه

أصبح الحديث عن Prompt Engineering أحياناً وكأنه الحديث عن مهارة منفصلة يمكن أن تحل كل شيء. في الواقع، جودة الـ Prompt ترتبط كثيراً بجودة التفكير الذي يقف وراءه. إذا كنت تفهم المشكلة، ستعرف ماذا تسأل. إذا كنت تعرف المجال، ستعرف ما الذي تبحث عنه. إذا كانت لديك خبرة، ستعرف أين يجب أن تشك. إذا كنت قادراً على تقييم النتائج، ستعرف ما الذي يمكن استخدامه وما الذي يحتاج إلى مراجعة.

لذلك أعتقد أن مستقبل العمل سيحتاج إلى أشخاص يجمعون بين خبرة حقيقية في مجالهم وقدرة جيدة على استخدام الذكاء الاصطناعي. المطور الذي يعرف كيف يوظف AI في تطوير البرمجيات سيكون أكثر قدرة على العمل بطريقة مختلفة. والمصمم الذي يعرف كيف يستخدم AI كجزء من عملية التفكير والتجريب سيعيد تعريف طريقة عمله. والمدير الذي يفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد فريقه في تحليل الخيارات وتحسين القرارات سيستخدم التكنولوجيا بطريقة مختلفة تماماً.

الفكرة ليست أن يتحول الجميع إلى متخصصين في AI. الفكرة أن يصبح كل شخص قادراً على فهم كيف يمكن للتكنولوجيا أن تضاعف قدرته في مجاله.

ماذا يعني هذا للمديرين؟

التغيير سيصل إلى الإدارة أيضاً. المدير الذي يقضي جزءاً كبيراً من وقته في متابعة التفاصيل، وتوزيع المهام، ومراجعة الأعمال الروتينية، والإجابة عن الأسئلة المتكررة، سيجد أن بعض هذه المهام يمكن أن تصبح أسرع وأسهل مع AI. هذا يفتح أمامه مساحة جديدة.

يمكن للمدير أن يركز أكثر على تطوير الأشخاص، وبناء الوضوح، وتحسين القرارات، وتحديد الأولويات، وطرح الأسئلة التي تساعد الفريق على التفكير بشكل أفضل. قد نرى انتقالاً تدريجياً من إدارة تعتمد على مراقبة التنفيذ إلى إدارة تركز أكثر على جودة التفكير والقرارات.

وهذا يتطلب من المدير مهارات مختلفة. يحتاج إلى فهم التكنولوجيا، ويحتاج أيضاً إلى فهم الناس، والسياق، والثقافة، وطريقة بناء القدرات.

المؤسسات تحتاج إلى بناء القدرات، لا مجرد شراء الأدوات

من السهل على المؤسسة أن تشتري أدوات AI، وتنظم ورشاً للموظفين، وتعلن عن مبادرة للتحول بالذكاء الاصطناعي. التغيير الحقيقي يحتاج إلى شيء أعمق. السؤال الذي يجب أن تبدأ منه المؤسسة هو: ما الذي نريد أن يصبح موظفونا قادرين على فعله بشكل أفضل بسبب AI؟

هذا السؤال يغير طريقة التفكير بالكامل. عندما نبدأ من القيمة، نستطيع تحديد المهام التي يمكن أتمتتها، والعمليات التي تحتاج إلى إعادة تصميم، والمهارات التي تحتاج إلى تطوير، والأدوار التي ستتغير، والقدرات الجديدة التي يجب أن نبنيها.

وقد نكتشف أيضاً أن بعض العمليات التي نحاول تحسينها منذ سنوات تحتاج إلى مراجعة كاملة. أحياناً لا تحتاج العملية إلى AI. تحتاج إلى أن نسأل لماذا ما زلنا نقوم بها بهذه الطريقة.

التكنولوجيا تعيد توزيع القيمة

كل موجة تكنولوجية كبيرة تعيد توزيع القيمة في سوق العمل. بعض المهارات تصبح أسهل وأقل ندرة، بينما تصبح مهارات أخرى أكثر أهمية. بعض المهام تصبح أرخص وأسرع، بينما تظهر قيمة جديدة في أماكن مختلفة. الذكاء الاصطناعي يفعل الشيء نفسه بوتيرة عالية.

إذا أصبحت كتابة المسودة الأولى أسهل، تصبح القدرة على تحديد الرسالة أكثر أهمية. إذا أصبح تحليل البيانات الأولي أسرع، تصبح القدرة على تحديد السؤال الصحيح أكثر قيمة. إذا أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل، تصبح القدرة على تقييم المعلومات وربطها بالسياق أكثر أهمية. التكنولوجيا تغير مكان القيمة.

وهذا يعني أن علينا أن نعيد التفكير في الطريقة التي نقيس بها قدراتنا المهنية. قد لا تكون الميزة في الشخص الذي يستطيع إنجاز أكبر عدد من المهام، ولكن في الشخص الذي يعرف أي المهام تستحق وقته، وأيها يمكن للتكنولوجيا أن تساعده فيها، وأين يحتاج إلى أن يضع خبرته وحكمه وطاقته.

ماذا يجب أن يتعلم الخريجون اليوم؟

عندما أفكر في المجموعة التي كنت أدربها، أعود إلى السؤال الذي بدأ منه النقاش حول Prompt Engineering. الخريج اليوم يدخل سوق عمل مختلفاً عن السوق الذي دخله شخص قبل عشر سنوات. الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل، والأدوات أصبحت أقوى، وسرعة التغيير أصبحت أعلى.

لذلك، بناء المسار المهني يحتاج إلى أكثر من تعلم تخصص جامعي ثم البحث عن وظيفة. يحتاج الخريج إلى بناء مجموعة من القدرات التي تسمح له بالتكيف مع التغيير. فهم التكنولوجيا مهم، وفهم المشكلة أهم. تعلم الأدوات مهم، والقدرة على التعلم المستمر أهم. المعرفة بالتخصص مهمة، والقدرة على ربط المعرفة بالواقع واتخاذ القرار أصبحت أكثر أهمية.

وهذا يجعلني أرى أن أفضل استثمار يمكن أن يقوم به الخريج اليوم هو ألا يسأل فقط: "ما الوظيفة المطلوبة الآن؟"، ويسأل أيضاً: "ما القدرات التي ستبقى ذات قيمة حتى عندما تتغير الوظائف؟"

ربما نحتاج إلى تغيير السؤال

بعد ذلك النقاش مع الخريجات، أصبحت أرى أن سؤال "هل سيأخذ AI وظيفتي؟" لا يقدم لنا الصورة كاملة. الذكاء الاصطناعي سيأخذ بعض المهام، وسيغير بعض الوظائف، وسيخلق وظائف أخرى. هذه العملية ستستمر مع تطور التكنولوجيا.

لكن الفرصة الأكبر قد تكون في المساحة التي تظهر بين الإنسان والتكنولوجيا. هناك مهام يستطيع AI تنفيذها بشكل أفضل وأسرع. وهناك مهام تحتاج إلى فهم بشري، وحكم، وتعاطف، وإبداع، ومسؤولية، وسياق. وبين الطرفين توجد مساحة واسعة يمكن للإنسان فيها أن يستخدم التكنولوجيا لرفع مستوى أدائه.

لذلك، السؤال الذي أعتقد أننا يجب أن نطرحه على أنفسنا، وعلى الخريجين، وعلى فرقنا، وعلى مؤسساتنا هو: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بجزء كبير من العمل الذي أقوم به اليوم، فما القيمة التي سأضيفها غداً؟ هذا السؤال قد يكون أصعب من سؤال الخوف من فقدان الوظيفة، لكنه أكثر فائدة في الاستعداد للمستقبل.

لأن سوق العمل لن ينتظر حتى نكون جاهزين. المهارات ستتغير، والوظائف ستتغير، والتكنولوجيا ستتغير، وستظهر فرص جديدة لم نتخيلها بعد. المطلوب منا ليس أن نتنبأ بكل وظيفة ستظهر، فهذا مستحيل تقريباً. المطلوب أن نبني القدرة على التعلم والتكيف وإعادة بناء مهاراتنا كلما تغيرت طبيعة العمل.

وربما هذه هي الفكرة التي بقيت معي من ذلك النقاش مع الخريجات: الذكاء الاصطناعي قد يأخذ بعض المهام من الإنسان، وفي الوقت نفسه يفتح أمامه مساحة جديدة ليقوم بأشياء أكثر قيمة. السؤال الحقيقي هو ماذا سنفعل بهذه المساحة.