ماذا يحدث لشخصيتنا عندما نتحدث بلغة أخرى؟
هل سبق أن شعرت بأنك شخص مختلف عندما تتحدث بلغة غير لغتك الأم؟ ربما تصبح أكثر هدوءاً، أو تجد صعوبة في المزاح، أو تعجز عن التعبير عن رأيك بالطريقة التي اعتدت عليها. وقد يراك الآخرون متردداً، مع أنك تعرف جيداً ما تريد قوله. هنا يظهر سؤال يستحق التأمل: هل تغيّرت شخصيتك فعلاً، أم أن اللغة الجديدة غيّرت الطريقة التي يستطيع الآخرون من خلالها رؤيتك؟
اللغة أكثر من مجموعة كلمات وقواعد نتعلمها. إنها المساحة التي نعبّر من خلالها عن أفكارنا، ونبني علاقاتنا، ونُظهر حسّ الدعابة والثقة والحزم، وحتى التردد. وعندما ننتقل إلى لغة جديدة، قد نمتلك الأفكار والخبرة نفسيهما، لكننا نفقد مؤقتاً بعض الأدوات التي تساعدنا على إظهارهما.
الخبرة التي نمتلكها، واللغة التي نعبّر من خلالها عنها
بالنسبة لي، العربية هي اللغة التي بنيت من خلالها جزءاً كبيراً من خبرتي وشخصيتي المهنية. فيها تعلمت كيف أشرح أفكاري، وأدير النقاشات، وأقنع الآخرين، وأتعامل مع المواقف المعقدة. هذه القدرات تشكّلت عبر سنوات من التجربة والممارسة والتفاعل مع الناس.
عندما يستخدم الإنسان لغته الأم في بيئة يعرفها، فإنه لا يستحضر الكلمات فقط، بل يستند أيضاً إلى ذاكرة من التعبيرات والنكات والإشارات الثقافية وأساليب الرد التي تراكمت لديه بمرور الوقت. أما عندما يعمل بلغة ثانية، فقد يحتاج إلى التفكير في المفردات وتركيب الجملة ونبرة الصوت، في الوقت الذي يحاول فيه متابعة النقاش وفهم الآخرين واتخاذ القرار.
هذا الجهد الإضافي قد يجعل الشخص يبدو أقل تلقائية أو ثقة مما هو عليه في الحقيقة. وقد يخلط من حوله بين محدودية التعبير باللغة الجديدة ومحدودية القدرة نفسها. لكن القدرة على قيادة فريق أو تحليل مشكلة أو بناء علاقة مهنية لا تختفي لمجرد أن صاحبها يبحث عن الكلمة المناسبة.
قصة مالك: عندما تحتاج الشخصية القيادية إلى لغة جديدة
خلال حديث مع صديقي مالك الزعبي، ناقشنا تجربته في الانتقال للعيش في ألمانيا. كان مالك من الأشخاص الذين امتلكوا حضوراً قيادياً في الأردن، لكن اللغة شكّلت تحدياً في المرحلة الأولى من تجربته الجديدة. لم يكن التحدي متعلقاً بتعلم الكلمات وحدها، بل بقدرته على إظهار شخصيته بالطريقة التي اعتادها الآخرون، وبالطريقة التي يعرف بها نفسه.
مع تحسّن لغته الألمانية يوماً بعد يوم، أصبح قادراً على التعبير عن أفكاره بصورة أوضح، والمشاركة بثقة أكبر، وإظهار جوانب من شخصيته القيادية كانت موجودة لديه أصلاً. ما تغيّر لم يكن بالضرورة جوهر الشخصية، وإنما المساحة المتاحة للتعبير عنها.
هذه التجربة تذكّرنا بأن الانتقال إلى بلد جديد أو العمل بلغة مختلفة قد يضع الإنسان في موقف يبدأ فيه من نقطة متأخرة في التعبير، حتى لو كان يمتلك سنوات من الخبرة. وقد يحتاج إلى وقت كي يعيد بناء حضوره الاجتماعي والمهني في بيئة لا يعرف لغتها وإشاراتها بالقدر نفسه.
هل نملك شخصية مختلفة في كل لغة؟
تبحث دراسات في علم النفس واللغة في العلاقة بين اللغة والسياق الثقافي وطريقة تعبير الأشخاص عن شخصياتهم. وتشير بعض النتائج إلى أن الأشخاص ثنائيي اللغة قد يصفون أنفسهم أو يُظهرون بعض السمات بصورة مختلفة بحسب اللغة والسياق الذي يستخدمونها فيه. لكن هذا لا يعني أن لكل شخصيتين منفصلتين أو أن تعلم لغة جديدة يعيد تشكيل الإنسان بالكامل.
قد تفتح اللغة باباً إلى سياق اجتماعي مختلف. فالتعبير عن الاختلاف في بعض الثقافات قد يكون مباشراً، بينما يتطلب في ثقافات أخرى صياغة أكثر تحفظاً. كما أن الفكاهة والرسميات وطريقة إظهار الاحترام أو الاعتراض تتأثر بالعادات الاجتماعية المحيطة باللغة. ومع الوقت، قد يتعلم الشخص كيف يكيّف أسلوبه مع السياق من دون أن يفقد هويته.
ومن المهم ألا ننسب كل تغيير إلى اللغة وحدها. فالهجرة والعمل في بيئة جديدة والعلاقات الاجتماعية ومستوى الأمان والثقة، كلها عوامل قد تؤثر في طريقة تصرفنا. اللغة جزء من الصورة، لكنها ليست الصورة كاملة.
لماذا يهم هذا الموضوع في العمل والقيادة؟
في بيئات العمل متعددة اللغات، قد يُمنح الشخص الذي يتحدث لغة الاجتماع بطلاقة مساحة أكبر للكلام والتأثير، حتى لو لم يكن الأكثر خبرة أو صاحب الفكرة الأقوى. وفي المقابل، قد يتردد خبير أو مدير في المشاركة لأنه يحتاج إلى وقت إضافي لصياغة أفكاره. إذا قيّمنا الكفاءة من خلال سرعة الإجابة أو سلاسة الحديث فقط، فقد نخطئ في تقدير قدرات الناس.
لا يعني ذلك أن التواصل الواضح غير مهم. فالقدرة على إيصال الفكرة جزء أساسي من العمل، ومن مسؤولية كل شخص أن يطوّر مهاراته اللغوية والتواصلية. لكن من مسؤولية القادة أيضاً أن يخلقوا ظروفاً تسمح للأشخاص بإظهار قدراتهم: منح وقت كافٍ للتفكير، ومشاركة النقاط الأساسية مسبقاً، وعدم مقاطعة المتحدث، واستخدام لغة واضحة، وتقييم جودة الفكرة إلى جانب طريقة تقديمها.
هذه الممارسات لا تخفض المعايير، بل تساعد على قياس الشيء الصحيح. فبدلاً من أن نسأل فقط: من يتحدث بثقة أكبر؟ يمكننا أن نسأل: من يفهم المشكلة؟ من يقدّم تحليلاً جيداً؟ من يتعلم بسرعة؟ ومن يستطيع تحمّل المسؤولية وتحويل الفكرة إلى نتيجة؟
كيف نساعد أنفسنا والآخرين على عبور هذه المرحلة؟
إذا كنت تتعلم لغة جديدة، فلا تجعل مستوى طلاقتك الحالي حكماً على قيمتك أو كفاءتك. امنح نفسك فرصة للتجربة، واطلب توضيحاً عندما تحتاج إليه، واستعد للاجتماعات المهمة، وابنِ مفردات مرتبطة بالمواقف التي تتكرر في عملك. والأهم أن تفصل بين شعورك بأن التعبير أصبح أصعب وبين الاعتقاد بأنك أصبحت أقل قدرة.
أما إذا كنت تقود فريقاً يضم أشخاصاً يعملون بلغات مختلفة، فانتبه إلى الفرق بين الصمت وقلة المعرفة، وبين التردد وضعف الالتزام. قد يحتاج بعض الأشخاص إلى وقت إضافي ليجدوا الكلمات، لكن ذلك لا يعني أنهم لا يملكون ما يستحق الاستماع إليه. اسألهم عن رأيهم، وافتح أكثر من طريقة للمشاركة، وامنح الأفكار فرصة كي تظهر قبل أن تحكم على أصحابها.
تحتاج اللغة الجديدة إلى ممارسة، لكنها تحتاج أيضاً إلى بيئة تمنح المتعلم فرصة لاستخدامها من دون أن يتحول كل خطأ إلى دليل على عدم الكفاءة. في هذه البيئة، يصبح التعلم أسرع، وتعود الثقة تدريجياً، ويستطيع الشخص أن يربط بين ما يعرفه بالفعل وبين الأدوات الجديدة التي يكتسبها.
لغة جديدة، ومساحة أوسع للتعبير
ربما لا تجعلنا اللغة الجديدة أشخاصاً مختلفين بقدر ما تكشف لنا جوانب لم نكن نستطيع إظهارها بسهولة من قبل. وقد تدفعنا أيضاً إلى اكتشاف طرق جديدة للتفكير والتواصل، وإلى مراجعة بعض عاداتنا. لكن جوهر هويتنا لا يُختصر في مدى إتقاننا للغة واحدة، كما أن كفاءتنا لا تُقاس بعدد الكلمات التي نستطيع استحضارها بسرعة.
عندما نلتقي شخصاً يتحدث لغتنا الثانية بتردد، من المفيد أن نتذكر أن ما نراه قد يكون حدود التعبير في تلك اللحظة، لا حدود الخبرة أو الشخصية. وعندما نكون نحن ذلك الشخص، يجدر بنا أن نتذكر أن حاجتنا إلى وقت إضافي لا تمحو ما تعلمناه ولا ما نستطيع تقديمه.
في النهاية، تعلّم لغة جديدة هو تعلّم طريقة جديدة للتواصل مع العالم، وربما طريقة جديدة لإظهار أنفسنا فيه. والسؤال الذي أعود إليه هو: عندما نتحدث بلغة جديدة، هل نصبح أشخاصاً مختلفين، أم أننا نحتاج فقط إلى وقت كي نُظهر للآخرين من كنّا طوال الوقت؟