قبل عدة سنوات، وأثناء عملي على أحد البرامج الشبابية، كنا نعتقد أننا نعرف ما يحتاجه الشباب. أعددنا الخطة، وحددنا المهارات، وصممنا الأنشطة، وكما يحدث في كثير من البرامج التنموية، بدأنا التنفيذ ولدينا تصور واضح عمّا ينبغي تقديمه.
خلال إحدى النقاشات، تحدى أحد الشباب افتراضاً كنا قد بنينا عليه جزءاً من البرنامج، وقال ببساطة: "هذه المهارة ليست ما نحتاجه فعلاً."
كان من السهل التعامل مع هذه الجملة كملاحظة عابرة والاستمرار في التنفيذ، لكننا قررنا أن نستمع. عدنا إلى الشباب، وطرحنا المزيد من الأسئلة، وراجعنا اهتماماتهم وأولوياتهم. واكتشفنا أن بعض افتراضاتنا لم تكن تعكس احتياجاتهم بالشكل الذي تصورناه، وأن اهتمامهم كان يتجه نحو مجالات فنية أخرى، من بينها الزراعة العضوية ومهارات مرتبطة بفرص ناشئة.
وبناءً على ذلك، غيّرنا أجزاء من البرنامج.
كان موقفاً صغيراً، لكنه غيّر شيئاً أكبر بكثير في الطريقة التي أنظر بها إلى تصميم البرامج الشبابية.
فأحياناً يستطيع شاب واحد داخل الغرفة أن يرى مستقبلاً لم ينتبه إليه تصميم مشروع كامل.
المشاركة لا تعني بالضرورة الفاعلية
خلال سنوات عملي مع الشباب، أصبح هناك مفهوم يشكل جزءاً أساسياً من الطريقة التي أفكر بها في البرامج الشبابية، وهو فاعلية الشباب وقدرتهم على التأثير واتخاذ القرار (Youth Agency).
نستخدم كثيراً مصطلحات مثل المشاركة، والإشراك، والتمكين، والقيادة الشبابية. لكن وجود الشباب داخل الغرفة أو مشاركتهم في نشاط لا يعني بالضرورة أنهم يمتلكون القدرة الحقيقية على التأثير.
الفاعلية الحقيقية تحتاج إلى إعداد وبناء قدرات، وإلى الوصول للمعرفة والمهارات، وإلى مساحات يستطيع الشباب فيها التعبير عن أفكارهم بثقة وأمان. والأهم من ذلك كله، أنها تحتاج إلى الثقة وإلى قدرة حقيقية على التأثير فيما سيحدث بعد ذلك.
هناك فرق كبير بين أن نسأل الشباب: "ما رأيكم في البرنامج الذي صممناه؟" وبين أن نسألهم: "ما المشكلة التي يجب أن نعمل معاً على حلها؟" السؤال الأول يطلب رأياً، أما الثاني فيمنح جزءاً من الملكية والمسؤولية.
وهنا تكمن أهمية التمييز، لأن مشاركة الشباب قد تتحول بسهولة إلى مشاركة شكلية. يمكننا تنظيم جلسات تشاورية، ومجموعات نقاش، ولجان شبابية، وورش عمل، وجلسات حوار، ويمكننا جمع مئات التوصيات، لكن يبقى هناك سؤال يجب أن نطرحه في النهاية:
هل أثّر الشباب فعلاً في القرار؟
إذا كانت الإجابة لا، فربما حدثت المشاركة، لكن الفاعلية الحقيقية لم تحدث بعد.
هل الشباب غاية البرامج أم وسيلة لتحقيق أهدافها؟
هذا واحد من الأسئلة غير المريحة التي تحتاج المؤسسات العاملة مع الشباب إلى طرحها على نفسها.
كثير من البرامج تصف نفسها بأنها تتمحور حول الشباب أو تقودها أصوات شبابية. لكن الواقع المؤسسي قد يدفعنا أحياناً في اتجاه مختلف. هناك مؤشرات يجب تحقيقها، وأنشطة يجب تنفيذها، وميزانيات يجب إدارتها، وجداول زمنية يجب الالتزام بها، وتقارير يجب تقديمها، وأهداف رقمية يجب الوصول إليها.
وسط كل ذلك، قد يتحول الشباب، دون أن ننتبه، إلى وسيلة لتحقيق متطلبات المشروع بدل أن يكونوا الغاية الأساسية التي صُمم المشروع من أجلها.
لذلك علينا العودة دائماً إلى سؤال بسيط:
هل صُمم البرنامج انطلاقاً من تطلعات الشباب واحتياجاتهم الفعلية، أم انطلاقاً مما كانت المؤسسة مستعدة أصلاً لتقديمه؟
الفرق بين الحالتين جوهري.
يأتي اليوم العالمي للشباب لعام 2026 تحت شعار "سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة" (Different Contexts, Common Aspirations). يعيش الشباب حول العالم في سياقات شديدة الاختلاف. فالموقع الجغرافي، والظروف الاقتصادية، والوصول إلى التعليم والتكنولوجيا، والصراعات، وعدم المساواة، وتوفر الفرص؛ جميعها عوامل تصنع تجارب مختلفة تماماً.
ومع ذلك، تتقاطع الكثير من التطلعات رغم اختلاف هذه السياقات. يريد الشباب فرصاً حقيقية، وعملاً ذا معنى، والوصول إلى المعرفة والتعلم، والقدرة على المساهمة في مجتمعاتهم. يريدون أن تكون لأفكارهم قيمة، وأن يكون لهم دور في تشكيل القرارات التي ستحدد مستقبلهم.
قد تختلف السياقات، لكن كثيراً من التطلعات تبقى مشتركة.
ربما لا تكمن المشكلة في نقص إمكانات الشباب
نتحدث كثيراً عن "إطلاق إمكانات الشباب". لكن بعد سنوات من العمل معهم، أصبحت أتساءل إن كانت المشكلة فعلاً في الإمكانات.
ربما ما ينقص الشباب هو المساحة والثقة.
وعندما أتحدث عن المساحة، لا أقصد فقط مركزاً شبابياً أو مكاناً يستطيع الشباب الاجتماع فيه. المساحة تعني أيضاً وجود مكان حقيقي لهم في عملية صنع القرار، بحيث تستطيع آراؤهم التأثير في البرامج والسياسات والاستثمارات التي تمس حياتهم.
وتعني كذلك وجود مساحات للتجربة، يستطيع الشباب فيها اختبار أفكار جديدة، وارتكاب الأخطاء، والتعلم منها، ثم المحاولة من جديد دون أن تكون كل خطوة محددة مسبقاً.
هناك أيضاً المساحات الرقمية التي تمنحهم الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة والشبكات والأدوات الحديثة، والمساحات القيادية التي لا يُطلب منهم فيها دائماً الانتظار حتى يصبحوا أكبر سناً أو أكثر خبرة قبل أن يُسمح لهم بالمساهمة.
لكن خلق هذه المساحات يحتاج إلى عنصر قد يكون أكثر صعوبة على المؤسسات: الثقة.
وتصبح الثقة حقيقية عندما تكون المؤسسة مستعدة للتخلي عن جزء من سيطرتها على القرارات. لا يمكن أن نقول للشباب إننا نثق بأصواتهم بينما اتُخذت جميع القرارات المهمة مسبقاً. ولا يمكن أن نشجعهم على الابتكار ثم نطلب من كل فكرة جديدة أن تتطابق تماماً مع خطة المشروع الأصلية. كما لا يمكن الحديث عن القيادة الشبابية بينما يبقى الشباب في أسفل هرم اتخاذ القرار.
إن بناء فاعلية الشباب يتطلب من المؤسسات أن تتخلى عن جزء من سيطرتها.
قد لا يكون ذلك سهلاً، لكنه ضروري.
الذكاء الاصطناعي غيّر المعادلة
تزداد أهمية هذا النقاش في عام 2026، لأن الذكاء الاصطناعي يغير الطريقة التي نتعلم ونعمل ونتواصل ونبتكر ونحل بها المشكلات.
وبالنسبة للشباب، يمثل هذا التحول فرصة استثنائية. يستطيع الشاب اليوم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارة جديدة، وتحليل المعلومات، وتطوير فكرة، وبناء نموذج أولي، وإنتاج المحتوى، ودراسة سوق، وإطلاق مشروع، أو الوصول إلى فرص وشبكات تتجاوز حدود مجتمعه المباشر.
أصبحت معرفة كانت تحتاج سابقاً إلى الوصول لمؤسسات أو خبراء أو دورات مكلفة أو شبكات مهنية متاحة بصورة لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.
هذا لا يعني أن الوصول متساوٍ للجميع، ولا أن الذكاء الاصطناعي يصنع الفرص تلقائياً. ما تزال الفجوة الرقمية، والمعلومات المضللة، وفجوات المهارات، وعدم تكافؤ الوصول إلى التكنولوجيا تحديات حقيقية. لكن هناك تحولاً أساسياً حدث بالفعل:
المسافة بين امتلاك الفكرة والقدرة على فعل شيء حقيقي بها أصبحت أقصر.
يمتلك هذا الجيل أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وهنا تظهر مفارقة تستحق التفكير: يمتلك الشباب اليوم أدوات أكثر من أي وقت مضى للمساهمة في تشكيل المستقبل، ومع ذلك ما يزال تأثير الكثير منهم محدوداً في القرارات التي تشكل حياتهم ومستقبلهم.
لهذا، لا يمكن أن يقتصر تمكين الشباب في عصر الذكاء الاصطناعي على تعليمهم كيفية استخدام التكنولوجيا الجديدة. نحتاج إلى الاستثمار في التفكير النقدي، والقدرة على التكيف، والمعرفة الرقمية والوعي بالذكاء الاصطناعي، والتواصل، والقيادة، والمهارات الخضراء، وريادة الأعمال، والقدرة على السؤال والتحليل والإبداع واتخاذ القرارات المسؤولة.
الهدف لا يجب أن يكون فقط إعداد الشباب للتنافس على الوظائف الموجودة اليوم، وإنما إعدادهم أيضاً للمساهمة في خلق الفرص والقطاعات والحلول والمؤسسات التي ستوجد غداً.
من تصميم البرامج "للشباب" إلى تصميمها "مع الشباب"
الانتقال من المشاركة إلى الفاعلية يحتاج إلى أكثر من تغيير المصطلحات التي نستخدمها. إنه يتطلب تغيير الطريقة التي تعمل بها البرامج والمؤسسات.
1. صمموا مع الشباب، وليس فقط من أجلهم. يجب أن تبدأ مشاركة الشباب قبل الانتهاء من كتابة مقترح المشروع، وقبل اختيار الأنشطة، وقبل تحديد موضوعات التدريب. ومن الأفضل أن تبدأ حتى قبل أن تحدد المؤسسة المشكلة بشكل كامل. يجب أن يكون للشباب دور في تحديد التحديات، وتصميم الحلول، وتنفيذ الأنشطة، وتقييم النتائج، وتحديد الخطوات التالية.
علمني ذلك الموقف الصغير، عندما غيّرنا جزءاً من البرنامج بعد الاستماع إلى أحد الشباب، درساً ما زلت أحمله معي: عندما يشارك الشباب في مختلف مراحل حياة المشروع، فإنهم لا يحسنون البرنامج فقط.
قد يكشفون تحولات لم تنتبه إليها المؤسسة بعد.
2. امنحوا الشباب تأثيراً حقيقياً في القرار. ليس من الممكن أو المطلوب نقل كل قرار مؤسسي إلى الشباب، لكن هناك قرارات يجب أن يمتلكوا تأثيراً حقيقياً فيها. يجب أن تكون هناك مساحات يعرف فيها الشاب أن ما يقوله قادر فعلاً على تغيير ما سيحدث بعد ذلك. عندها تبدأ المشاركة بالتحول إلى فاعلية.
إذا كان الشباب قادرين على الحديث دون التأثير، فقد أنشأنا منصة للاستماع إليهم. أما عندما يستطيعون الحديث والتأثير والمشاركة في القرار وتحمل جزء من مسؤولية نتائجه، فنحن نبدأ ببناء فاعلية حقيقية.
3. أعدّوا الشباب للفاعلية، وليس فقط للمشاركة. منح الشاب مقعداً على طاولة اتخاذ القرار مهم، لكن إعداده لاستخدام هذا المقعد بفاعلية لا يقل أهمية. الفاعلية تحتاج إلى قدرات. يحتاج الشباب إلى المعرفة والثقة بالنفس والشبكات والتجارب والإرشاد والفرص التي تسمح لهم بممارسة اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
لهذا، علينا ألا نتعامل مع التمكين باعتباره تدريباً واحداً أو ورشة عمل أو نشاطاً قصيراً. التمكين عملية تبدأ بالإعداد وبناء القدرات، ثم خلق المساحة، وبناء الثقة، وإتاحة التأثير، وصولاً إلى المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار. بهذه الطريقة تتحول المشاركة تدريجياً إلى فاعلية.
المسؤولية مشتركة
هناك مسؤولية أيضاً على الطرف الآخر من الطاولة. فالفاعلية ليست شيئاً تتيحه المؤسسات فقط، وإنما قدرة يحتاج الشباب أنفسهم إلى تطويرها وممارستها.
يحتاج الشباب إلى الاستمرار في التعلم، وطرح الأسئلة، والتجربة، والمحافظة على فضولهم تجاه العالم. يحتاجون إلى فهم التقنيات التي تعيد تشكيل حياتهم ومستقبل العمل، وتطوير قدرتهم على التعبير عن أفكارهم، ومراجعة الافتراضات السائدة، والاستعداد للمساهمة عندما تتاح لهم مساحة في عملية صنع القرار.
يصبح صوت الشاب أكثر تأثيراً عندما تدعمه المعرفة والاستعداد والقدرة على تحويل الأفكار إلى أفعال.
وفي المقابل، تحتاج المؤسسات إلى التوقف عن دعوة الشباب فقط للمصادقة على قرارات اتُخذت مسبقاً. يجب إشراكهم في وقت مبكر بما يكفي ليكونوا قادرين على تغيير تلك القرارات.
وهذا يعني الاستماع إليهم عندما تتحدى أولوياتهم افتراضات المؤسسة، وخلق مساحات تسمح بالاختلاف، ومنحهم المسؤولية وليس الظهور فقط، والاستثمار في قدراتهم ثم منحهم الثقة الكافية لاستخدامها.
فالشاب الذي يشكك اليوم في أحد عناصر برنامجك قد يكون قد لاحظ تحولاً اقتصادياً أو تقنياً أو اجتماعياً أو ثقافياً لن تنتبه إليه المؤسسة إلا غداً.
هذا لا يقلل من قيمة الخبرة المؤسسية، وإنما يوضح تماماً لماذا نحتاج إلى التعاون بين الأجيال.
ما بعد اليوم العالمي للشباب
يمنحنا اليوم العالمي للشباب في كل عام فرصة للاحتفاء بالشباب، لكن الاحتفاء وحده لا يكفي.
يحتاج الشباب إلى مؤسسات مستعدة للاستماع إليهم، ومساحات تسمح لهم بالتجربة والمشاركة الحقيقية، وفرص للتأثير في القرارات، وقدرات تساعدهم على تحمل المسؤولية، وثقة تسمح لهم بممارسة فاعليتهم.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه فقط: كيف نُعد الشباب للمستقبل؟ هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ما مقدار المساحة التي نحن مستعدون لمنحهم إياها للمشاركة في تشكيل هذا المستقبل؟
لا ينبغي أن نكتفي بإعداد الشباب للمستقبل؛ علينا أن نثق بقدرتهم على المشاركة في صناعته.
يذكرنا شعار هذا العام بأن الشباب يعيشون في سياقات مختلفة، لكنهم يتشاركون الكثير من التطلعات. ومسؤوليتنا هي التأكد من أن هذه التطلعات لا تُسمع فقط، وإنما تنعكس أيضاً في البرامج والمؤسسات والسياسات والقرارات التي ستشكل السنوات القادمة.
ربما تكون خطوتنا التالية هي الانتقال من الحديث عن تمكين الشباب إلى بناء البيئة التي تسمح لهم بممارسة هذا التمكين فعلياً، من خلال القدرات والمساحة والثقة والتأثير والمشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار.
مقالات ذات صلة: راجع أيضاً رأس المال البشري في عصر الخليج الجديد، أو تعرّف على خدماتنا في تطوير القيادة وتصميم البرامج المتمحورة حول الشباب.